عمر فروخ

54

تاريخ الأدب العربي

وهؤلاء القضاة الذين أصبحت لهم السلطة الواسعة على الناس في المغرب والأندلس معا ، بما كان المرابطون قد خوّلوهم من المكانة لم يتركهم سلاطين المرابطين بلا نصح أو تذكير بلزوم العدل في الناس والرفق بهم . إن القاضي لما أصبحت له السلطة والرقابة على القضاء والفتيا والشورى والخطبة ( يوم الجمعة ) وعلى أحكام السوق كلّها ( رقابة سلوك الناس ثم الفصل في منازعاتهم ) ، مما كاد يجعله حاكما فردا ، مال في عدد من الأحوال إلى شيء من الاستبداد وإساءة التصرّف . من أجل ذلك كتب ابن القصيرة الإشبيليّ ( ت 508 ه ) إلى قاضي الجماعة بقرطبة ابن حمدين ( تولّى القضاء من سنة 490 إلى وفاته في المحرّم من سنة 508 ) - على لسان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين - ( الذخيرة 2 : 261 ) : « . . . . استهد اللّه يهدك ، واستعن به يعنك في صدرك ووردك « 1 » . وتولّ القضاء الذي ولّاكه اللّه بجد وحزم وجلد وعزم . وأمض القضايا على ما أمضاها اللّه تعالى في كتابه وسنة نبيّه . . وآس « 2 » بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع قويّ في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك . ولا يكن عندك أقوى من الضعيف حتى تأخذ الحقّ له ، ولا أضعف من القوي حتى تأخذ الحقّ منه . . . . . . » ( إن هذه الرسالة - والجمل الأخيرة منها خاصة - مأخوذة من رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعريّ في القضاء ) . ومع هذا كلّه فقد أساء نفر من القضاة تصرّفهم في الرعية وأموال الرعية ، حتى قال الشاعر الأندلسي ابن البنّيّ يهجو قاضي قضاة قرطبة ابن حمدين نفسه ( المعجب 122 : راجع نفح 3 : 448 - هي للأبيض ) . أهل القضاء ، لبستموا ناموسكم * كالذئب أدلج في الزمان العاتم ؛ « 3 »

--> ( 1 ) الصدر ( الرجوع عن الماء بعد الشرب ) والورد ( بالكسر ) والورود ( الذهاب إلى الماء للشرب ) : في جميع اعمالك . ( 2 ) آسى بين الشخصين : سوّى بينهما . ( 3 ) عتم ( بفتح ففتح ) الليل : بدأ ظلامه . أدلج : سار في أوّل الليل . الناموس : الشريعة ( القانون ) - لبستم ناموسكم ( تخذتم عملكم في القضاء ستارا على استغلال القضاء وظلم الناس ) .